ابن الجوزي

205

صيد الخاطر

ولقد حدثني بعض الصالحين المجاورين بجامع المنصور ، أن رجلا اسمه كثير ، دخل عليهم الجامع فقال : اني عاهدت اللّه على أمر ونقضته ، وقد جعلت عقوبتي لنفسي أن لا آكل شيئا أربعين يوما . قال : فمكث منها عشرة أيام قريب الحال يصلي في جماعة ، ثم في العشر الثاني بان ضعفه وكان يداري الامر ، ثم صار في العشر الثالث يصلي قاعدا ، ثم استطرح في العشر الرابع ، فلما تمت الأربعون جيء بنقوع فشربه ، فسمعنا صوته في حلقه مثل ما يقع الماء على المقلاة ، ثم مات بعد أيام . فقلت : يا للّه العجب ، انظروا ما فعل الجهل بأهله ، ظاهر هذا أنه في النار ، الا أن يعفى عنه . ولو فهم العلم وسأل العلماء لعرفوه انه يجب عليه أن يأكل ، وان ما فعله بنفسه حرام . ولكن من أعظم الجهل استبداد الانسان بعلمه . وكل هذه الحوادث نشأت قليلا قليلا حتى تمكنت . فأما الشّرب الأول فلم يكن فيه من هذا شيء ، وما كانت الصحابة تفعل شيئا من هذه الأشياء . وقد كانوا يؤثرون « 1 » ويأكلون دون الشبع . ويصبرون إذا لم يجدوا . فمن أراد الاقتداء فعليه برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، ففي ذلك الشفاء والمطلوب . ولا ينبغي أن يخلد العاقل إلى تقليد معظّم شاع اسمه ، فيقول : قال أبو يزيد ، وقال الثوري . فان المقلد « 2 » أعمى ، وكم قد رأينا أعمى يأنف من حمل عصا « 3 » . فمن فهم هذا المشار اليه طلب الأفضل والأعلى واللّه الموفق . 162 - الفلسفة والرهبانية تأملت الدخل الذي دخل في ديننا ، في العلم والعمل فرأيته من طريقين : فأما أصل الدخل في العلم والاعتقاد فمن الفلسفة . وهو أن خلقا من العلماء في ديننا لم يقنعوا بما قنع به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من الانعكاف على الكتاب والسنة ، فأوغلوا في النظر في مذاهب أهل الفلسفة ، وخاضوا في الكلام الذي حملهم على مذاهب ردية أفسدوا بها العقائد .

--> ( 1 ) يؤثرون غيرهم على أنفسهم . ( 2 ) أي المقلد فيما يقدر على الاجتهاد فيه ، أو لا ضرورة له إلى التقليد فيه ، اما تقليد العامي الذي لا يقدر على الاجتهاد لأحد أئمة المذاهب الأربعة فواجب . ( 3 ) هذا مثال من يأنف من التقليد وهو عاجز عن الاجتهاد .